محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

منه لاَ تنام ، وحاطه برُكن منه لاَ يضام ، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه ، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه ، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه ( 1 ) ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه . من اتبعه فاز وهُدِى ، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى ، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون ، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون ( 2 ) وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون ، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ، وعن الرضى به يصدرون ، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون . اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في مُحْكَمه ومُتَشابهه ، وحلاله وحرامه ، وعامِّه وخاصِّه ، ومجمَله ومفسَّره ، وناسخه ومنسوخه ، وظاهره وباطنه ، وتأويل آية وتفسير مُشْكِله . وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم لمتشابهه . وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده . إنك سميع الدعاء قريب الإجابة . وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما . اعلموا عبادَ الله ، رحمكم الله ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية ، وبُلِغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضًى ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه ، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه ، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيلٌ من حكيم حَميد ( 3 ) . ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء الله ذلك ، كتابًا مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه ، جامعًا ، ومن سائر الكتب

--> ( 1 ) المحجة : الطريق . والقصد : استقامة الطريق وسهولته . ( 2 ) وأل يئل وألا ووؤولا : لجأ طلبًا للنجاة . والموئل : الملجأ والمنجى . والمعقل : الحصن المنيع في رأس الجبل ، وعقل إليه يعقل عقلا وعقولا : لجأ إليه وامتنع به . وفي المطبوعة " يعتقلون " ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة . ولم أجد " اعتقل " بمعنى عقل . وإن صحت في قياس العربية . ( 3 ) تضمين آية سورة فصلت : 42 .